أحمد دحبور
رام الله – الحياة الجديدة – أخيراً حصلت على نسختي من كتاب «رام الله الشقراء»، بعد ان تواترت الدعاوة الصاخبة لهذا العمل، وهي دعاوة شفوية بطبيعة الحال، حتى لتشعر انك ازاء شائعة اكثر منها رواية، على ان الجلبة لا تعني بالضرورة حكم قيمة لصالح اي عمل او ضده، وان كان البحث في اسباب الجلبة، يلقي ضوءا بشكل ما على طبيعة العمل.
فالكاتب، او الراوي على الاقل، مشغوف بالوصول الى القارئ من منطقة الاختلاف، واذا نجحت المناكفة في اثارة فضول المتلقي، فهي ليست الا استدراجا للاشتباك مع افكار الكاتب، كأن يعلن منذ الصفحات الاولى: «انا لا اشعر تجاه نشيد فدائي المسمى النشيد الوطني الفلسطيني بأي شعور مميز، اراه منسجما مع مشروع دولة المفاوضات، هذا ان تحققت واراه النسخة المغناة من اتفاق غزة اريحا اولا».
والواقع ان هذا التلفيق الحماسي، لا يعدو ان يكون زعبرة استفزازية، تتجاهل ان هذا النشيد وليد مرحلة النهوض الفلسطيني في بداية انطلاقة الثورة، وما من مفردة فيه تنسجم مع اتفاق غزة اريحا اولا، واذا كان «موطني» هو النشيد الاحق بأن يكون النشيد الفلسطيني الرسمي – ولعلي من اوائل من نادوا بذلك منذ عام 1984، فلأنه النشيد التاريخي الذي يتجاوب صداه مع الذاكرة الوطنية المبكرة، بل ان النشيد المقرر «فدائي» كان مجرد واحدة من اغاني الثورة الفلسطينية، وعندما نشأ الاعلام الفلسطيني الموحد بحث القائمون عليه، عن اغنية تلائم الخطاب الجديد، بعيدا عن الانتصار لهذا الفصيل بالتحديد او ذاك حتى تكون نشيدا وطنيا عاما، ودعوة ليس فيها تعبير حزبي محدد، فوقع الاختيار على فدائي، وكان ذلك تجاهلا أليما، وان كان غير مقصود، لكلمات ابراهيم طوقان الخالدة في نشيد موطني.. ولكن للامانة والتاريخ، لم يصبح نشيد موطني هو المعتمد الرسمي حتى يقال انه تم استبدال هذا بذاك، اما اذا كان السيد عباد يحيى او سارد روايته، يبحث عن مؤامرة يتهم بها منظمة التحرير، فيا ما كسر الجمّال بطيخا، وهذا الخد معتاد على اللطم، وما ينفع الناس نختلف او نتفق عليه حتى يصح الصحيح.
الرسائل المتبادلة
يقوم هذا العمل على نسق سرديّ خاص، من حيث اعتماده على فكرة الرسائل المتبادلة، وهذا الاسلوب، وان لم يكن جديدا، يطرح اسئلة محرجة عن جنسية النص، وهل هو رواية فعلا، ام ريبورتاج ذكي يكشف شخصية المدينة – هي هنا رام الله- او يبين على الاقل بعض تفاصيلها وهمومها ومناخها الاجتماعي، مع ان هذا الاسلوب كثيرا ما اتسع لروايات ناجحة مشهورة.
والمتراسلان في هذا العمل، بالتسلل اليهما عبر هامش هنا وجملة معترضة هناك، هما صحفي معني بأخبار بلده، وموظفة صحة، لعلها طبيبة، تراقب الاحداث، وكلاهما من غير اسم مصرح به مع ان العمل لا يبخل بأسماء بعض الاشخاص، مثل عمر او رشدي او سامر وما الى ذلك، وهو ما يعفينا من تعقب النمو الدرامي او الحدث المركزي وان كان الجو العام الذي تتحرك فيه الاحداث المتناثرة بالغ الوضوح، فهذه رام الله المعاصرة، حيث السلطة الفلسطينية وذكريات الاحتلال، وانتباه المواطنين الى ظاهرة الاجانب من متضامن الى مشكوك في امره الى دليل، يقول رشدي متهكما: «ان بين كل ثلاثة اجانب اربعة اسرائيليين» وهو ما لم ألمسه انا المقيم في هذه المدينة منذ سنة، ولكن دعونا نتابع ونتأمل.
والطريف ان احد المتراسلين، واعني الفتاة، على قدر واف من وضوح النظرة وجرأة التعبير مع انها تصف نفسها بأنها فتاة شرقية محافظة لا تطيل السهر مع الغرباء، فيما يسخر زميلها ومراسلها، اي الصحفي الذي يشاركها الرسائل، «من الوطنية الملتزمة المثقفة التي تفكر في العمل مع المارينز»؟؟ وهو يتحدث الى هذه «الشرقية المحافظة» عن نساء البلد اللواتي يتم تعريفهن بالواقي الذكري وكيفية استخدامه وبأهمية اقناع ازواجهن باستخدامه!! فيا لها من شرقية محافظة.
اما هي فتشير بتلقائية «الشرقية المحافظة» الى ظاهرة المثليين وتؤكد بالحرف: ليس لدي اي قلق حيال المثليين ولماذا اقلق؟ فهل نحن في حاجة الى تعريف الشرق المحافظ ام نكتفي بأن الامور نسبية؟
طبيعي ان مثل هذا الحوار يمكن ان يدور بين مثقفين، رجل وامرأة، في رام الله، ولكن ما ليس طبيعيا ان تدير هذا الحوار شرقية محافظة، الا اذا كانت تدعي ذلك، والادعاء في الحياة ممكن، لكنه في متابعة للعمل الدرامي يحتاج الى محقق اجتماعي، وهو ليس موجودا وليس مطلوبا لهذا العمل.
اضاءات لافتة
على ان كتاب عباد يحيى هذا، يتسع لاضاءات ولمحات ذكية لا بد من تسجيلها لصالح النص وكاتبه.. على سبيل المثال، تقول الفتاة: «افكر دائما بمفارقة اهتمام الصهاينة بالآثار واهتمامنا بما يسمى التراث» ومع ان التراث ليس مجردا ثانويا حتى يقال ما يسمى، الا انها تشرح بأننا نعيد ترميم ذاكرة لا تتجاوز المئة عام وبطريقة غير مكلفة نسبيا وهم يخلقون تاريخا يعود لآلاف السنين وينفقون خزائن كاملة.
والواقع ان ذاكرتنا الشرقية العربية تتجاوز «المئة عام» بمئات الاعوام، واذا ذهبنا الى ما قبل الاسلام كان عمر الذاكرة تاريخيا كما اكد ذلك دارسون غربيون كبار. ومع ذلك فالفكرة التي تقارن بين تراثنا وآثارهم هي لمعة ذكية محمية بمراجع هائلة اذا اعتمدنا التاريخ المقارن.
وثمة فكرة في هذه الرسالة تقول: «نحن موقع متقدم في منظومة الارتزاق الليبرالية الجديدة ولدينا خبرة تؤهل لنقل تجربتنا»، ولكن المؤلم ان الليبرالية ليست عميقة في ثقافتنا، اما الارتزاق فهو من الشتائم الخارجة على السياق، اذ ان الصورة الموسوم بها العربي في الغرب الرأسمالي هي ان العربي هو الغني الغبي ومسلسل التهريج ضد الشيوخ والامراء لا ينتهي. فمن اين اتى موقعنا في الارتزاق؟ ام هي الرغبة الماسوشية في التنكيل بالذات لسبب وبلا سبب؟
اما الفكرة غير الخلافية على ما اظن فهي ضبط سياسة التجزئة الجائرة في كونها «خيار الخائفين من الاخلال بالتسامح الاسلامي المسيحي في رام الله، وخطورة هذه الفكرة الصعبة انها مستمدة من الواقع الملموس في صدقية محرجة، حيث تتشارك مدينتان – يقصد رام الله والبيرة – في كل شيء ولا يفصل بينهما اي فاصل «ويظل اهلهما يؤكدون هذا الفصل الغريب، فنحن مسكونون بالتجزئة والتفتيت». ولطالما تساءلت انا القادم حديثا الى هذا الجزء المتاح لنا من وطننا فلسطين، عن مسوّغ وجود بلديتين ومؤسسات متناظرة بين مدينتين يفصل بينهما عرض الشارع فقط؟ فلماذا هذا الغبن الجغرافي؟ على انه سؤال لا تجيب عنه خاطرة في نص ادبي، بل يحتاج الى اجوبة لا تخشى ان تكون اجوبة حقاً.
الحذر من الآخر
ويعبر هذا العمل، منذ عنوانه الرمزي، عن حذر من الآخر على طريقة المثل الذي سخر منه الكاتب نفسه «ما ييجي من الغرب شيء يسر القلب»، وتغص الصفحات العشرون والمئة التي تشكل قوام الكتاب بإشارات غير قليلة الى ظاهرة الغرباء المريبين، حتى انني قبل ان احصل على نسختي كنت اسأل عن ضجة «رام الله الشقراء» فأجاب بأنها تطرح ظاهرة كثرة الاجانب في هذه المدينة.
الا ان الكاتب كان عادلا حين قال على لسان احد بطليه: «لما بييجي مبرر اقوى لرجوعهم لبلادهم رح يرجعوا، ما تفكرهم كلهم راشيل كوري»، فهو ليس مسكونا بهاجس ان هؤلاء السياح الاجانب مستوطنون، ويشير الى الفتاة الاوروبية التي استشهدت وهي تقف الى جانب الحق الفلسطيني، ولكن اذا تحفظ احد بطليه ورفض التعميم، فقال: ما تفكرهم كلهم راشيل كوري، يمكن الرد على هذا التحفظ بأننا لا نظنهم كلهم مثل راشيل كوري، ولكن راشيل كوري كانت موجودة، ولم تكن الاوروبية الوحيدة التي ناصرت قضيتنا، حتى لازعم انه ما من احد عمل في الثورة الفلسطينية الا ورأى نماذج لا انموذجا واحدا من المناضلين الامميين الذين اصطفوا معنا ورأيناهم في معسكراتنا، بل ان الجبهة الديمقراطية قد اقامت معسكرا كاملا في البقعة لهؤلاء الشرفاء ذات يوم.
وثمة فكرة على لسان الصحفي بطل هذا العمل واحد سارديه، تقول: «اذا لم تفلح في تطويع الانسان وتحويله الى مستسلم خانع، عليك بتطويع المكان او الفضاء ليغدو مستسلما خانعا» والحقيقة ان هذه الفكرة الاستعمارية اللماحة، قد وجدت تطبيقا ماكرا من الاستعمار القديم في بلادنا، ولطالما فوجئنا ببعض الاماكن في وطننا الكبير تحاكي الانموذج الغربي في الهندسة والمعمار فضلا عن الثقافة المجلوبة. بل ان تعبيرا من نوع «قطعة من اوروبا» للاشادة بتلك المواقع هو من التعابير التي دخلت في كلاسيكيات الاغتراب والتغرب، او ما يسميه آباؤنا بالتفرنج.
ولعل في طليعة هموم المشروع الثقافي الوطني ان نخلص من هذه التركة المهينة في ثقافتنا المعاصرة.
ففي مكان من الكتاب نقرأ: «كانت المحاضرة انجليزية دون ترجمة كأنه يحاضر في لندن، وكان الاعلان عنها باللغة الانجليزية فقط، وكأن حضور ابناء البلد غير مطلوب ولا وارد».
ودعني اتذكر لهذه المناسبة، محاضرة سمعتها في بلد عربي، وكانت بالفرنسية، وكان بعض الحضور من اولئك المتغربين يطرحون سماعاتهم بعيدا في اشارة الى انهم يفهمون تلك اللغة ولا حاجة بهم الى مترجمين او سماعات تصلهم بكلام المترجمين، وكما قال الاسلاف: لله في خلقه شؤون..
جهل أم افتراء؟
استوقفتني، بشكل خاص في رواية عباد يحيى هذه اشارة الى فرقة العاشقين، مع سؤال حول اغنية «اشهد يا عالم علينا وع بيروت» وكيف يشعرون وهم يغنونها كجزء من مشروع السلام حتى الموت و «الا يختنقون بالكلمات او اي شيء باق من الذكرى؟» و «ها هم تحولوا الى مواطنين في دولة اوسلو ويتقاضون راتبا لقاء استجداء حنين ما لايام ماضية».
ان هذا التعريض الفظ بهذه الفرقة الشابة، لا لشيء الا للنيل من السلطة الفلسطينية، يتجاهل أولا ان هؤلاء الشباب ليسوا متفرغين في السلطة ولا يتلقون مرتبات منها، بل هم يعيشون في سورية، ودخل الواحد منهم اقل بكثير مما يتقاضاه رئيس قسم او حتى رئيس شعبة احيانا ولم يصبح اي منهم مواطنا في «دولة اوسلو» الا كاتب كلمات تلك الاغاني، وهو بالمصادفة انا..!
من غير اغفال اشعار المرحوم صلاح الحسيني، ابي الصادق، ومختارات قليلة من شعر الارض المحتلة كانوا ينشدون لفلسطين، بل يؤرخون النضال الفلسطيني غناء، وكانت اغنية بيروت واخواتها تمثل مرحلة نوعية من التاريخ الوطني الفلسطيني، قيلت في وقتها، واستمرت كجزء من هذا التاريخ، لا استجداء ولا مزايدات، فإذا كان السيد عباد يحيى يجهل هذا فها انذا اخبره به، واذا كان لا يهمه من ايراد اخبار العاشقين الا التعريض بالعاملين في هذه التجربة، فهو افتراء مبروك عليه. ام ان هذا الهذر كان امتدادا لما بدأ به ضد مسرح القصبة؟
ان النقد الذاتي مشروع وواجب، ونقد التجربة الوطنية عند الفلسطينيين هو نوع من النقد الذاتي الذي يتطلب مستوى معقولا من الاحاطة بالحيثيات وبعض التفاصيل، اما إلقاء الكلام على عواهنه فهو لا يصنع نقدا ايجابيا، ولا يخدم تجربة بعمر فرقة العاشقين التي انشدت اول اعمالها عام 1977، وكما قال الصحفي في «رام الله الشقراء»: يا حظ من لا علاقة لرزقه بآرائه.
ملامسة المحرمات
وفي هذا العمل، كذلك، خطاب معافى يمس قضايا حساسة لا تقال عادة، الا خفية وعلى مسؤولية رواة غير موجودين، كالعلاقات المثلية التي لا يمكن ان توصف بأنها ظاهرة فلسطينية كما لا يمكن انكارها ولا يجوز اذا كان الادب، كما هو فعلا، مرآة للحياة، ويحدث في الحياة كما حدث في رام الله عباد يحيى، ان لوحظ رجل اجنبي يغرر بأحد الفتية، وان الفتى استجاب للاغراء، وكان من الطبيعي ان يشير الكاتب الى سلوك غير طبيعي لكنه موجود على نحو ما، ومواجهة الحقيقة احق بأن يعبر عنها كاتب نذر خطابه لوضع اليد على الجرح.
وبالشجاعة المفترضة المطلوبة، يقول رشدي ان هذا الاجنبي يدفع للصبية مقابل قضاء وطره في شقته الفارهة، وهؤلاء الصبية موجودون في الواقع حتى لا يتورع رشدي هذا عن ابداء استعداده لترتيب لقاء للصحفي المتحدث مع فتية يزاولون هذه المحرمات.
الى هنا، وما تقدم كان مفهوما لان الرواية الحديثة تحتمل ذلك، والصدق مع المجتمع يتطلب الاشارة الى ذلك، لكن ماذا نقول في المشهد الذي يجمع صبيتين، سمراء وشقراء تتعانقان في مكان غير مكشوف من الشارع؟ لو كان هذا المشهد في رواية تتابع سلوك اشخاصها ومصائرهم لكان الامر مفهوما، لكننا ازاء مقطع معلق في هواء السرد، لا يتضمن حكم قيمة ولا يترتب عليه شيء في سياق الاحداث المتناثرة، واذا كان الانموذج الاول يشير الى اجنبي يبتز ويستبد بالطفولة فهو مفهوم ادبيا، اما الاشارة الى السمراء والشقراء بلا ادنى رابط بين هذا المشهد وما سبقه او تلاه فإنه نشاز يعطب العمل فنيا، حيث التباهي بالانتباه الى المحرمات شهادة على جرأة لا مسوّغ لها ولا معنى في اطار هذا العمل تحديدا.
ما يشبه كلمة اخيرة
لا شك في ان المؤلف يندب نفسه لمهمة شجاعة قائمة على المكاشفة والتشريح، وهو ما يحسب له في آخر الحساب. بل ان هذا الادب مأخوذ عليه فلسطينيا انه نادر على وفرة الاسباب التي توجب الاشارة اليه، ولكن الكاتب قام بنوع من السياحة السوداء عندما تقافز بين مشهد وآخر فلم يرسم جشتالت المدينة. اذ ان هذه المشاهد الصادمة ليست رام الله كلها، وحين يكتفي الكاتب اي كاتب بالمراجعة الانتقائية يكون المسكوت عنه اكثر فداحة والحاحاً. وليس من مهمة هذا العرض ان يطلب من الكاتب ما يقول وما يستزيد به من القول، ومن جهة ثانية يبدو السؤال عما يريد الكاتب مشروعا، لا سيما وان لدينا مع العمل مشكلة بنيوية حيث يضعنا امام رواية بلا رواية، بمعنى ان الكاتب لم يلزم نفسه بالبحث الدرامي وما يتطلبه من نمو في العلاقات والمشاعر والاحداث، حتى نقبل اولا نقبل هذا السلوك او ذاك.
لا اطالب طبعا برواية موروثة عن القرن التاسع عشر بحكايتها وحبكتها وازمتها وحلولها، ولا يغيب عني ان الرواية الحديثة قد تجاوزت السرد البطيء المتأني الى الافصاح عن مناخ اجتماعي او نفسي، على ان الاكتفاء باللون الاسود لا يرسم ظلاما لان بصيص الضوء، وان يكن خفيفا وبعيدا يظل مطلوبا لاكتشاف الظلام، ويقتصر الادب في هذه الحال على خانة الفضيحة.
ويقيناً، لم يكن عباد يحيى يبحث عن فضيحة، لكنه مع الاسف لم يعثر على سواها في حين ان المشروع الذي يغري بكشف كهذا، وصراحة كهذه، يتطلب اكثر من ذلك.
فالوعد برواية هجومية امر مفرح، ولكن الذي وقعنا عليه، هو فرح فني لم يتمّ. لا اقول يا خسارة بل اسأل عن تتمة المشروع.


