عباد يحيى…راوي تحولات رام الله

بقلم محمد حجيري

كثيرًا ما ارتبطت أسماء أدبية بأسماء مدنها، وقد ألهمت مدن العديد من أشكال الكتابة التي تعاملت مع تحديات التفكير فيها وتمثيلها، ليس كمكان فقط وإنما كحياة. فحين نقول الروائي محمد شكري، لا بد أن نربط اسمه بطنجة المغربية التي شغلت الكثير من الكتّاب العالميين. وجيمس جويس قال: “أكتب دائمًا عن دبلن، لأني إن استطعتُ الوصول إلى قلبها، فسأتمكن من الوصول إلى قلب جميع مدن العالم. ففي الخاص يكمن الكوني”. وكثيرًا ما يُقال في دوائر الأدب العالمي أنه لو زالت مدينة دبلن من الوجود، لأمكن إعادتها مرة أخرى بناءً على ما وصفها به جيمس جويس في روايته “عوليس”. وهذا القول ينطبق كذلك على أحياء القاهرة القديمة وكتابات نجيب محفوظ عنها، وكتابات ربيع جابر عن بيروت، وسرديات خالد زيادة عن طرابلس، وميلان كونديرا عن براغ، وأورهان باموق عن إسطنبول، نيكولاي غوغول عن سان بطرسبورغ، وشارل بودلير عن باريس…

ومن الأسماء الجديدة التي ارتبطت بمدن، للروائيّ الفلسطيني، عباد يحيى، الذي سُمّي “راوي رام الله”، وتحتل المدينة مكانة رئيسة في عمله الأدبي والبحثي، وتعدّ رواياته من أهم الروايات الفلسطينية التي أثارت اهتماماً لا بأس به في الوسط النقدي، فهي تؤرخ لجيلٍ جديد ومرحلـة انتقالية في تاريخ الشعب الفلسطيني بعد أوسلو. وعدا روايته الحديثة، “يحدث في البيوت”، أصدر روايته الأولى عن عمر يناهز الرابعة والعشرين، بعنـوان “رام الله الشقراء” 2013، ونالت حظاً واسـعاً مـن الشهرة، وهي تسلّط الضوء على التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي طرأت على مدينة رام الله بعد انتفاضة الأقصى العام 2005، وتظهر المدينـة ومطاعمها وبناياتها وشوارعها ومشاريعها الكثيرة الممولة –غالباً – بأموال الأميركيين، خصوصاً في الشق الصحي كما تقول ساردة يحيى في “رام الله الشقراء”: “الولايات المتحدة الأميركية لـم تنفق على منطقة في العالم في الشق الصحي، كما تفعل في الضفة الغربية”، فالعناية الخاصـة التي تتلقاها رام الله ليست إلا جزءاً من المخطط الأميركي – الإسرائيلي: “لجعل المدينة نموذجاً للفلسطينيين الصالحين”. وتستعرض الرواية تأثير التمويل الأجنبي والغزو الثقافي الغربي، مشيرة إلى تناقضات المدينة التي أصبحت رمزًا لتحولات الهوية الفلسطينية في ظل الاحتلال والنيوليبرالية. تبدو مدينة رام الله في روايات يحيى تعج بالبارات ومراكز الدعارة المقننة، مثل “بيت أنيسة وأرجوان” تلك المراكز التي جاءت لترضي وجود الفرنجة، الذين يملأون رام الله عن آخرها، والتي أصبحت وسيلة للغزو الفكري والثقافي.

عنون “رام االله الشقراء”، يجمع بين رمزية مدينة رام الله، وطيف (الشقار)، حيث تُنسب صفة اللون الأشقر لتعبّر عن الأثر الأجنبي البارز في المكان. فالشقراء صفة للأجانب الذين غيروا معالمها وجعلوا منها مكاناً آخر لا علاقة له بتاريخ البلد، رام الله يحيى “هي مدينة مبتورة وكل ما فيها مبتـور، لا شـيء يكتمـل فيها”. 

روايته “جريمة في رام الله” تسلط الضوء على حياة ثلاثة شبان تتشابك قصصهم بجريمة قتل غامضة، مع معالجة عميقة لعوالمهم الداخلية وتحولاتهم في سياق اجتماعي معقد. أحداث الرواية كأنها متممة لروايتـه الأولى “رام االله الشقراء” ومحور يقوم على فئة الشباب الجيـل الـذي جاء بعد الانتفاضة الثانية، وما يعانيه هؤلاء من مشاكل وهواجس. في الرواية إشارة إلى العلاقة المثلية بين شابين هما رؤوف وصهيب أو نور كما أسماه رؤوف، وهي لا تخلو من المشاهد الجريئة التي أراد صاحبها بها أن يفضح صمت رام االله ويكشف المستور.

أبطال يحيى، يشكلون نموذجاً للجيل الشاب الذي نشأ ليواجه سؤال الهوية الأصعب والأكثر تعقيداً، هم أبنـاء الدولة الجديدة التي جاءت بها أوسلو، وأبناء رام االله حاضنة تلك الدولة، التي جاءت أيضاً بثقافة جديدة وواقع مختلف عن الواقع الفلسطيني نفسه، كما يرى، لتصبح مدينة أخرى لا شأن لها بماضي المكان وتاريخه، لتنشئ جيلاً منفصلاً عن واقعه أيضاً. وعنوان الرواية الذي يوحي بكونها رواية بوليسية لا يعطي انطباعاً حقيقياً، فما إن تقرأها حتى تجدها اجتماعية بالدرجة الأولى. ورواية “رام الله” الصادرة العام 2020، تقدم سردًا ملحميًا لتاريخ المدينة، مستعرضة تحوّلاتها الكبرى عبر الحقب الزمنية المختلفة، من العهد العثماني حتى زمن السلطة الفلسطينية. كما تعكس التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية للمدينة وسكانها، بين الحروب والهجرات والحب والخيانة. ما يجعل الرواية تقترح إجابة سرديّة على سؤال: كيف آلت المدينة إلى ما آلت إليه؟ يواجه الأستاذ الجامعيّ عماد العائش تاريخ لرام الله أثناء بحثه عن إجابة لسؤال حياته الأهم، كما سيكتشف القارئُ شخصياتٍ لن ينساها؛ بطرس النجار، الأم هيلانة، المستر مل، خليل، نعمة، سالم، ماري وكمال وجميل وغيرهم، ويرى معهم أحوال فئات اجتماعية متباينة، من النخبة السياسية والثقافية إلى المهاجرين واللاجئين، إلى أهل المدينة الذين عاشوا تحولها من حكم إلى حكم، عثماني فانتدابي بريطاني فأردُني فاحتلال إسرائيلي ثم زمن السلطة الفلسطينية.

وتدور أحداث رواية عباد يحيى الأخيرة “يحدث في البيوت” (2025- “منشورات المتوسط”)، في رام الله بين السبعينيات والثمانينيات، وتستعرض تحولاتها بعد احتلال 1967. يبدو ما قبل هذين العقدين تمهيداً متأنياً، وما بعدهما خواتيم حتميّة. كانت رام الله ملجأ قدريّاً لبطلَي الرواية، لم يختاراه، وحين احتلتها إسرائيل إثر حرب 1967 بدأت حياة جديدة ومختلفة، بل ومخالفة للمعروف من حياة معظم الفلسطينييّن بعد النكسة. يحكي الكاتب عن قضية فتيات السموم وهن فتيات اتهمتهن إسرائيل بتسميم ضباط إسرائيليين من خلال تسميم مشروباتهم، ثم يكتب سطراً أخيراً يقول فيه: هذه الرواية ليست عن تلك القضية، لتنبثق أكوام من التساؤلات التي لن تتوقف حتى الانتهاء من الرواية.

واللاجئ الباقي ظلَّ وحيدًا في رام الله عشيَّة النكسة. يقول: “كم تبدو الحياة واسعة لولا صوت هذا الإسرائيليّ الذي يمنع التجوُّل كلّ يوم….”، و”يعتقد أن منع التجوُّل الإسرائيليّ الذي عرفَتهُ رام الله في مراحل عديدة، “ترك فيها طبعاً كسولًا، تنام مبكرة وتصحو متأخِّرة. والمدينة التي تنام مبكرة وتصحو متأخِّرة، أهمّ ما يحدث فيها، يحدث في البيوت”. وبين البداية الواعدة والنهاية المعلّقة تأريخٌ روائيّ لحياة الشخصيّات وشطر وافر من حياة رام الله، في قلبها الأستاذ المحامي الذي منح السيّدة حياتها الجديدة وردّتها له من دون أن يدري.

لقراءة النص الأصلي