بقلم: طارق العربي
بعد النقد الذي تعرضت له روايته “رام الله الشقراء”، أظنّ أن عبّاد يحيى تقصّد أن يقدم لنا رواية تبتعد عن فلسطين، وما هو مطروح في الكتابة الروائية الشابة معاً وفي آن، لأنه يعرف أنه من الممكن تقديم عمل روائي يبتعد عن ما هو سائد ومعروف ومطروح في ثالوث الرواية المحرّم، أو في ثيمات الرواية الفلسطينية عن البطل ومآلاته وتحولاته، أو عن القضايا الاجتماعية بوصفها مدخلاً للتحرر والتحرير.
في الحقيقة هو فعل ذلك، لا سيما أنه في بيئة روائية لا يمكن لها أن تتجاوز الاحتلال. ولعلها في “هاتف عمومي” والصادرة عن عمان الأهلية للنشر والتوزيع حين ابتعد عن سؤال الهوية، في تنويعاته أو عمومياته، وأغلب الظن أن النص الذي جاء به كان تحدياً لذاته أولاً بوصفها ذاتاً كاتبة لها أطروحاتها ومشروعها، وتحدياً لرام الله ثانياً، لأنها لم تقبل عمله السابق ولم تأخذه على محمل الجد، وظلّ يتعرّض لنقد شرس مدة طويلة.
في القراءة كما في الكتابة، يحتاج الإنسان إلى وعي عميق لمفهوم الأدب كقيمة إنسانية وجمالية ضرورية في الحياة، كما سيحتاج إلى تمرين ذائقته على القراءة دون رومانسية منذ تلك اللحظة التي يمسك فيها الرواية، خاصة أن العمل الروائي أياً كان جنسه ومصدره، فليس أكثر من شرفة تطل على بحر واسع ومتعدد المشاكل والهويات، وفق هذا إن القارئ والكاتب ليسا أكثر من هويات حالمة ومتعثرة في مشروع الرواية أو حياتها.
أيضا من الحرج الروائي الاختباء خلف السيرة دائماً، ولعل الكاتب حين لجأ إلى طرح مختلف في هاتف عمومي، فعل ذلك ليحمي روايته ويحصنها..
تبدأ رواية عباد بالضبط في اللحظة التي ينتهي فيها القارئ من قراءتها، حين يدرك أن الكاتب لم يكتب سيرة له.
لا توجد سيرة للبطل وخيباته مثل روايات فلسطينية أخرى، أي لا يوجد ذاكرة تبكي أوجاعها ومآلاتها.
هذا الخلط بين ذاتية الكاتب وقصته أثناء العملية الكتابية وبعدها أفسد تطور الرواية الفلسطينية كي لا أقول إن الروائي عندما يعتقد أن احتضان ذاته في النص طريقة لطرح أسئلة الواقع أو أسئلة الهوية، إنما يقوم بقمع التطور الطبيعي للرواية ووظيفتها.
الشخصيات التي طرحها عباد في “هاتف عمومي”، بدءاً من عباس الذي جاء من هامش الهامش في رام الله، حيث يعمل موظف أمن في بنك هناك، يبدو هامشياً إلى هذا الحد الذي لا يلحظه فيه أحد.
هيفاء الشخصية المركزية التي لم تتحدث مع عباس ولم تلتق به وجهاً لوجه في كل الرواية والتي تتزوجه في النهاية، جاءت هي الأخرى من أطراف الهامش مثله.
الشخصيتان الرئيسيتان عباس وهيفاء تقولان إن النص وعباد لا يملكان تلك الطبيعة المعرفية القائمة على التلقين والنسخ، يعني هذا أن الكاتب ليس ذلك الراوي الذي يكتسب المعرفة بالتلقي وحسب، بل هو من يذهب في عمله الروائي إلى التقمص لا البحث، إلى السكن في شخصياته لا العيش معها، وهذا يعني أيضاً أن النص لا ينسخ نفسه من تجارب روائية أخرى، عربية أو فلسطينية، بل هو ابن واقعه، بالشخصيات وتطورها، بالسرد ولغته.
هو أيضاً ابن رام الله التي تكبر يوماً بعد يوم، وتكرس طابعها القابل للتلف والعطب بسرعة لا يتصورها أحد، رام الله التي تمنح معرفتها وثقافتها وطابعها للجميع.
يضاف إلى ذلك الاصطدام الهادئ الذي حمله السرد في صوت الراوي مع واقع الشخصيات وتطورها، من جهة ذهاب عباد في الطرق والتي لم يمش بها أحد قبله، فيما تبدو الرواية وأحداثها كمن تمشي مع الكاتب في الطريق المهجورة والتي لا يقصدها الرواة في فلسطين عادة.
أخيراً يحسب لعباد حس المغامرة، وأنه بادر في الكتابة عن فلسطين عن قصد أو دونه، دون أن يتكئ في الكتابة على وجود الاحتلال فعلاً، لا بهاجس الاتصال بالواقع، ولا بالتناول السردي أو في البناء أو في ما يصنعه في البيئة الاجتماعية الفلسطينية ويفرضه في متن الرواية، بل في إنجاز ما يمكن أن نصفه بالأسلوب الروائي الذي يتخلى عن أوهام البطولة القادمة من أروقة البلاغة، أو المكان، بعد أن صرنا نرى في العديد من الأعمال الروائية مجرد تنويعات لبطل مل أدواره وقمعناه بكل ما أوتينا من قوة، لكي يبقى بطلاً مخذولاً في أغلب الأحيان.
ما فعله الكاتب بالضبط هو إخراج الهوية وأبطالها من الاجتراح والاجترار في الأدب الفلسطيني الشاب.


