“يحدث في البيوت”: رواية الزمن الفلسطيني من رام الله

تنام المدينة مبكرة وتصحو متأخِّرة. والمدينة التي تنام مبكرة وتصحو متأخِّرة، أهمّ ما يحدث فيها، يجري في البيوت. كأنه حكمة أو اعتراف بأن لا شيء يحصل في عوالمها الموازية. تبدو مغلقة على نفسها مثل كنز من الأسرار المدفونة في ليل عميق، موصد بمفاتيح النوم. لكن ذلك جاء بقرار منع التجول، الذي فرضه الحاكم العسكري الإسرائيلي.

هذا هو الإطار العام لشخصية المدينة، إيقاع هادئ يغلب عليه الغموض، منذ الجملة الأولى في رواية الروائي الفلسطيني عباد يحيى “يحدث في البيوت“، الصادرة عن “دار المتوسط”، ثم ينقشع شيئًا فشيئًا، ببطء شديد، مثل ضباب شتائي، وكلما انشق عن بصيص ضوء، لاحت علامة في بنيان العمل، تأخذ القارئ نحو شخصية أو مكان وزمان؛ رغم أن الكاتب اقتصد إلى حد كبير، بما أملته عليه المدينة التي تشكل نقطة البداية والعودة في مجرى الأحداث، هبوطًا وصعودًا، بين محطتي النكبة 1948 والنكسة 1967.

تقول الرواية في مبتدئها إن الأب هو الذي يعود بالأخبار مساء، وفي الليل وهم نيام تختمر الأخبار مع الشؤم، فيستيقظون على رعب. وعلى وقع ذلك تحسم عوائل قرارها، حسب تقدم القوات الصهيونية على الجبهات، وفي هذه اللحظات حدث في أحد البيوت أن الأم والأب رميا ابنتهما صوب حوش دار خالتها، حيث وقف ابن الخالة، الزوج، حسب ترتيب أمها، لكنها حين رأت عضوه يتدلى، هجت مسرعة على صوت القنابل، بعد أن تلكأ الصبي في أن يدخل فيها حسب الترتيبات. وبذلك بدأت حكاية العروس التي هربت من عريسها ليلة الدخلة.

صدمة استولت على الجميع، ولم يركض خلف الفتاة الهاربة أحد. الصدمة والخوف سوف يغيران مصيرها، فتذهب بعيدًا من مدينة الرملة إلى مدينة رام الله، وتجد نفسها في جمعية تستقبل النساء المحتاجات، حيث بدأت تفكر بنفسها، وتقرر الرئيسة تعليمها القراءة والكتابة، وتمضي هناك مدة عامين، وهي لا تعرف عن أهلها شيئًا. تراودها أسئلة كيف ستعيش بلا أوراق، لأن كل إنسان مجهول ثغرة في الحدود، خاصة وأن الوزارة تطلب من الجمعية كشفًا بالأسماء، ولكن المحامي نصح المديرة بعدم تسجيلها. وهنا أضحى وضعها مسألة قانونية، وعلى المحامي أن يباشر التفكير بحل، يبدأ أولًا بأن تعمل نهارًا في منزله كي تتفادى زيارات مراقبي الوزارة للجمعية نهارًا، وبعد أن يتأكد من أن أهلها لا يزالون في ديارهم لم يتهجروا، يبدأ رحلة الأوراق، حينها تدرك نفسها خالية من همها الثقيل، وتستجمع إحساسها بجسدها.

الأوراق الرسمية تشكل ولادة “هالة” الثانية، التي هربت من عريسها، صارت مهاجرة بلا حرب، وعلى هذا صار يمكنها أن تنام خالية البال، وتحس بأنها لم تذق حلاوة قبل ذلك اليوم، حينما أخذت قليلًا من العسل على طرف قطعة بسكويت وقضمتها، وفي هذه الأثناء بدأ كثيرون محاولة التأقلم مع وضعهم الجديد، بأنهم صاروا لاجئين، وخلّف فيهم التوق إلى مكانهم الأول غربة جديدة. ورام الله تحاول أن تتعرّف على ما بقي من حالها القديم في هذا الجديد، وبخلاف اللاجئين لا تحنّ لما مضى، بل تعدو في اتجاه معاكس.


في الخامس من حزيران/ يونيو 1967 تبدأ شخصية هالة مجراها الجديد، عندما قاد القدر شابًا شبه تائه، لا يختلف عنها في نقطة البداية. دخل حديقة البيت الذي تسكنه، بسبب الحرب في الخارج، أتاحت له النوم في الصالون. أصبح لاجئًا لديها لمدة خمسة أيام بدأت بالصمت، وانتهت بسيل من الحديث لم يتوقف بينهما. صار الحكي مدفوعًا بالحاجة وبالرغبة في مشاركة مجهول سر حياتها، وهو بداية الوعي بالنسبة للشاب الذي ساقه مصيره إلى الحديقة في لحظة بداية الحرب. لم تكن رام الله وحدها التي تسقط في يد إسرائيل، بل فلسطين كلها، ومعها أجزاء من مصر وسورية. وفي مرة أخرى تأخذه مصادفة تدبير التخلص من دورية في الشارع إلى بيت خطاط، ومنذ تلك الليلة ستكتب السيدة هالة والخط حياته.

تشكل الوعي لدى الشاب لدى معاينة قرار الأب الخروج من فلسطين إلى الأردن، وخلق لديه التنازع بين شخصيتي اللاجئ والنازح. الأولى واضحة، ويمكن لأي شاعر أن يكتب قصيدة عن أوجاعها، والثانية أقل بطولة وأسطورية، وأقل رثاء ورمزية. النازح أقل بريقًا، مع أنه لاجئ في الأصل، لكن النزوح يسطو على اللجوء، ويحرمه من اللقب الأول، ليصبح فلسطينيًا منسيًا، في حين أن إسرائيل باحتلال الضفة وحّدت الفلسطينيين الذين يبحثون عن لقاء يردم السنوات بين النكبة والنكسة. ومن بين أكداس الشعور بالترك، وفقد العائلة العربية الكبرى، انبجس الشعور بالتشابه. ولكن مكانين أفهماه المشكلة، وألقيا أمامه ما بدا له حلًا، مدرسة وكالة الغوث، ورام الله. عثر بين الكتب المهترئة على خلاصة كناية عن دور التعليم في نجاة الفلسطينيين من أحد أكثر آثار النكبة خطورة.


“رام الله تحاول أن تتعرّف على ما بقي من حالها القديم في هذا الجديد، وبخلاف اللاجئين لا تحنّ لما مضى، بل تعدو باتجاه معاكس”

“قادمون”، هي الكلمة التي هزته، وأيقظت شكري، الذي كان حسب التقرير المرفوع إلى التنظيم “منعدم الدوافع”، لديه الكثير من الإمكانات لكن لا يستخدمها. ومن بعد ذلك يبدأ عمل الفدائيين، ومن بعدها شعار “بالنار نعيد الدار”، وأعقب ذلك “السلاح المفتاح”.

المحامي شكري والخطاط راغب شخصيتان رئيسيتان في الرواية حتى تتسع حكاية رام الله في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وقبل حصوله. وكلاهما عمود في نظامها وحياتها. الأولى تمثل القانون والحقوق والصلة بالسلطة، درس المحامي في أميركا، وهو سليل بيت ناصري، عاش الحلم وشهد انكساره، وعرف كيف يحالف الزمن بدل معاندته، وصار مكتبه أرض هدنة. والثانية هي المفردات التي تسمي فضاءها وأعمالها وتفاصيلها الهندسية. وباعتبار أن رام الله انتقلت بعد 1967، ودخلت في زمن جديد، فقد انسحب هذا التحول عليهما، حتى أن الخطاط أدخل طابعة “أوفسيت”، وركبها داخل محله كعلامة دخول للزمن الجديد.

إلى هؤلاء تنضاف شخصية أخرى هي خالد مهندس التنظيم والأحلام، الذي حمل اسم طلائع التحرير، كبداية تجمع أفضل ما في حركة فتح واليسار، الذي دخل السجن، وعاد بعد سنوات، وهو ينوي الإقدام على أفعال أكثر بكثير مما تخيّل الشاب جميل الذي ظل قابعًا في المطبعة، كأنه تشرنق بدون أي أمل بانبعاث بعده. ولكن الانتخابات شكّلت شرارة علاقته الفعلية مع هالة، واستئنافًا لبداية حالمة بدأت قبل تسعة أعوام، لم تكتمل إلا في الخيالات والتوهمات. لم يخطر في باله أن يطرح عليه خالد دورًا غريبًا، ينتهي باغتيال هالة من حياته.

رواية غنية، تقرأ الواقع الفلسطيني انطلاقًا من النكسة، وتتوسع رجوعًا نحو النكبة، وتتقدّم نحو الزمن الراهن، وهي بذلك تربط الخيوط ببعضها. هزيمة 1967 هي لحظة الكشاف، التي عرّت خواء الزمن العربي، وهشاشة البنى التي كانت سائدة، ولم تتمكن من تشكيل أرضية يقف عليها مشروع مواجهة الاحتلال، الذي تقدّم مستفيدًا من ضحالة وعي وتشتت وانقسام العرب والفلسطينيين.

الرواية مكتوبة كأنها عمل حياكة، ذات صنعة متقنة، لم تتقصد الإبهار، ولذلك تتراوح اللغة بين النسيج المعقد، والكلام الذي يذهب على سجيته، ولا يجد سبيلًا للتعبير عن ذلك سوى الدارج في القول، يتردد في بعض المطارح، ليضفي جمالًا غير عادي، “زمت خرقتها”، “تتلقط الحكي”، “نخر سؤال النوم رأس المرأة”، “شقشقة الصبح”، “تفقس أسئلة”، “شحطني خلفه”، “ما أتيسني”.

بقلم: بشير البكر

لقراءة المقال الأصلي