يُعرف عن العنوان أنه العتبة النصيّة الأولى، وعنوان رواية عبّاد يحيى الجديدة «يحدث في البيوت» يزجُّ بالقارئ بكومة من التساؤلات، تساؤلات ليس مصدرها فقط هذا الأمر المجهول الذي يحدث في البيوت ويثير في قارئه فضولا وشغفا بقراءة المنجز لتتبعه، وإنما مصدره أيضا تساؤل بريء عن السبب الذي يدفع كاتبا كعبّاد يحيى يُسقِط رام الله من عناوين كتبه. رام الله التي زيّنت غلاف منجزاته الروائية السابقة سواء أكانت «رام الله الشقراء» أو «جريمة في رام الله» أو آخرها «رام الله». هذه التساؤلات لا يعول عليها الكاتب لتمنح القارئ استمرارية في القراءة، بل سيأتي بفقرة خارقة، فقرة لا يؤلفها إلا إنسان فهم الكتابة جيّدا، حتى صارت لعبة في يديه. يحكي الكاتب عن قضية فتيات السموم وهن فتيات اتهمتهن إسرائيل بتسميم ضباط إسرائيليين من خلال تسميم مشروباتهم، ثم يكتب سطرا أخيرا يقول فيه: هذه الرواية ليست عن تلك القضية. لتنبثق عندها أكوام من التساؤلات التي لن تتوقف حتى الانتهاء من الرواية.
تأتي رواية «يحدث في البيوت» بعدد صفحات قليل ستزيده القصة الأثيرة قلة ما يجعلها رواية مميزة لأي قارئ نهم.
إن أول ما يوحي به عنوان الرواية هو «حكاية الهامش»، الهامش الذي نتجاهله دوما، تُسَلَّط عليه الأضواء في هذه الرواية. ذلك أمر طبيعيّ طالما أننا نتتبع ما يحدث في البيوت في زمن النكبة. النكبة التي كانت عبئا على الجميع ستكون لهالة «عبئا» وفي الآن نفسه «خلاصا». عبئا لأنها ستُرغم على الزواج في سنٍّ صغيرة، وخلاصا لأنها ستعيش حياة ما كانت لتحلم بها حتى في أفضل تخيلاتها. ستفرّ، لكنه ليس الفرار المؤقت الذي ينتهي بندم أبدي، إنه الفراق النهائي، الفراق الذي ستحرص على ألا يكون بعده أيُّ لقاء. هذا كلّه سيدفع بالمحامي الذي يتولى مهمة استخراج أوراق ثبوتية جديدة لها في عالمها الجديد تحت رعاية الجمعية أن يفكر: «كيف يبلغ الإنسان حدًّا يجعل أكبر أمنياته أن يُنسى ولا يعرفه أحد».
الحرب تصبح حدثا هامشيا
رواية الهامش ستنتصر للهامش، لأجل هذا ستصبح الحرب التي غيّرت حياة ملايين البشر، واستنفرت حكومات دول عربية، وتكلمت لأجلها منظمات حقوقية، ستصبح حدثا هامشيا أمام ما تعيشه هالة الفارة ليلة زفافها، أو جميل الشاب الصغير الذي ستقوده الصدفة لمنزل امرأة تفوقه بسنوات عديدة فيقع في حبها. جميل الذي لم يفر من أهله لكنهم فروا منه وتركوا له البلاد بأسرها.
الحياة الجديدة التي ستعيشها هالة، ستعتبرها ولادتها الجديدة، بعد ولادة قديمة لم يكن لها يد فيها، أما هذه الجديدة فهي ولادتها هي، وعقباتها ستكون مسؤولة عنها لوحدها. لعل هذا ما سيدفعها للتفكير بأن «بداية خاطئة ستبدّد آمالها كلها، وقد تردها إلى ما كابدت، لتنهيه. وقد تفضي بها إلى مآل كالذي هربت منه. هذه بداية ستختارها هي. عانت من ويلات ما لم تختره، أما أن يجلب عليها ما ستختاره ويلات أخر، فهذا مما تشعر أنها قادرة على تجنبه إن فكرت جيّدا».
إن كانت الحياة الجديدة «خلاصا» لهالة، فإن المحامي شكري أبو جابر هو «المخلص» إنه سيتولى هذا الدور من دون أطماع غرائزية، ومن دون أي دافع سوى الإنسانية، لأجل هذا ستفكر هالة كثيرا قبل أن تُقْدِم على الفعلة التي أراد لها جميل الإقدام عليها، بل إنها ستقرر العودة إلى الهامش مجدّدا في الوقت الذي فتحت لها الصفحات أبوابها لمغادرته.
جميل سيستغل الرحيل المفاجئ لأهله، ليولد ولادة ثانية، لكن هذه الولادة بدأت بوجه هالة، هذا الوجه الذي سيجعله يمحو كل وجوه النساء من حياته، سيجعلها هدفا، هدفا مستحيلا، هو نفسه الذي يعلم أن بقاءه في منزلها بضعة ليال كان صدفة، وأن كل ما قالته له في تلك الليالي الخمس من اعترافات إنما لأنها اعتبرته «عابرا» في حياتها. لهذا عندما يقوده تفكيره بعد سنوات إلى قرع بابها سيفكر أنها ستطرده، وسيقول: «إن الممكن في الحرب غير ممكن عند انقضائها».
سرعان ما تعاود الحرب الظهور، الحرب في فلسطين دائمة، كأن فلسطين لا تخلع عنها حربا حتى تأتي حرب جديدة لتتقلدها بمسمى جديد، نكبة فنكسة فانتفاضة، كأن الحرب متعلقة بهذا البلد، وعاشقة لأهلها.
جميل نفسه سيتماهى مع هذه الحرب، ليعيش حياته بعادية، سيدرس ويتعلم الخط، وسيصير بفضلٍ من راغب بارعا به، وسيكون له خيرَ عون في تطوير أعماله. لكنه سيمارس عمله السياسي كذلك من خلال الخط. إن نظرة جميل لمسار التنظيمات وجبهة التحرير كان ضبابيا لكنه على الأقل كان يؤمن بلا جدوى ما يفعلونه، ولأجل كل هذا لن ينصر فعل المقاومة إلا باللافتات والشعارات التي يكتبها تحت إملاء خالد.
الخيبات المتلاحقة
إن تصورات ومشاعر جميل تجاه منظمة التحرير وعمل الفصائل تجعلنا نلمس وجهة نظر، شيئا من الانقياد المطلق لخالد يجعلنا نشعر بإعجابه بها. وهذا كان شعور جميع الفلسطينيين في تلك الفترة. لكن الخيبات المتلاحقة أدخلت شكوكا كبيرة في نفوس الناس.
خالد الذي سيقتحم حياة جميل فجأة، لن يكتفي بدور المشاهد في حياته، شخصيته القيادية ستجعله فيصلا في الحياة التي سيعيشها جميل. هذا سيجسده جميل بقوله: «لا يمكنك أن تخطئ صفات القيادة في خالد، بمجرد أن تراقبه لدقائق تدرك أنك أمام شخص مستوف كل صفات القيادة». هذه الرمزية التي حمّلها الكاتب لشخص خالد تدفعنا لتذكر عدد كبير من المقاومين الفلسطينيين الذين خرجوا من سجونهم ليذيقوا هذا الكيان الويلات. كأنما يريد عبّاد أن يدلنا على أن هذا الكيان لطالما كان هشا، وأنه لطالما استمد قوته من ضعفنا.
إن جميل رغم إمكانياته إلا أنه اكتسب مع الوقت نقصا، هو نقص سببه العائلة ثم المحيطون به فالنساء… لقد آمن جميل بدون أن يدري ببشاعته، يقول: «هذا المولود بعيد النكبة يشبه زمنه»، كومة من الأحداث والتصرفات جعلته مهزوزا، ضعيفا أمام الجميع. لعل هذا ما يفسر تصرفات هذا الولد؛ لقد بقي أسير حب امرأة لم يرها لسنوات إلا مرة واحدة، وبقي أجيرا عند الخطاط راغب طيلة حياته، وانصاع لخالد في كل شيء قام به حتى في اتخاذه للقرار الذي سيدمر حياته بالكامل: تسميم شكري.
حتى خالد الذي دبّر لهذا الفعل لم يُرِد من جميل سوى إخبارهم بتحركاته، كأنه كان يدري أنه عاجز عن «الفعل» عجز سيستفز جميل وسيجعله يتولى مسؤولية التسميم بالكامل. هكذا أظهر لخالد لكنه لن يفعلها، سيجازف بحب حياته لأجل هذا الأمر، وسيدرك لاحقا أنه إرضاء للتنظيمات خسر كل شيء. سيقول: «هناك خسائر جانبية في كل عملية، عودني خالد على تجاهلها ورؤيتها من سنن الحياة ونواميسها الطبيعية، ماهي هذه الخسائر؟ أنا موقن أن حياتي كانت الخسائر الجانبية».
خالد لن يكون سببا في خسارة جميل لهالة فقط، وإنما سيكون سببا في عودة هالة إلى الهامش، الهامش الذي بدأت تغادره منذ تولت مسؤولية الجمعية وإلى الحين الذي فكرت فيه بإنشاء مجلة للجمعية ستعود إليه عن قناعة، ملاكا حارسا لمخلصها. المحامي شكري، الذي قدمت له بعنايتها به في هرمه عربون توليه مهمة «المخلص» في حياتها. عربون سيقدمه جميل كذلك لمخلصه راغب بعنايته بالمحل وعدم انفصاله عنه إلى يوم وفاته. جميل الذي ستبوخ حياته أمام ناظريه. وتفقد أبهتها، ويرى كل ما جاهد شبابه ليكون له قد فقده للأبد: المطبعة، وهالة. خسران تام. «كل حياة فيها اختبار يغيّرها» ستقول هالة، واختبار جميل كان «تسميم شكري». قرار بسيط كان بالإمكان رفضه من البداية، هو الذي أحال حياة جميل إلى جحيم.
إن عباد يحيى في روايته هذه استطاع أن يستمر في ما تميز به دائما: قوة القصة وجمالية اللغة، لكنه إضافة إلى ذلك نجح في شيء أهم وهو الخروج من عباءة رام الله. إن هذا النجاح لا يتأتى إلا لروائي يجيد صنعته، وقوة هذا الروائي تأتي من كونه قابلا لتغيير جلد الحكاية في رواياته، وإنها لصعوبة لا يعلم بها إلا الكتّاب.


