بقلم نور الهدى بَهتان – (باحثة جزائرية)
إن ما تقوم عليه الرواية هو طرح الأسئلة لا تقديم الأجوبة، لا شيء فيها محسوم ونهائي، وفيها تبقى الحقيقة معلقة دائما. هذا ما كنت أتبناه بثقة عالية، لكن حينما صادفت رواية تحمل عنوان «يحدث في البيوت» وددت لو أنها تعطيني إجابة عن سؤال قديم رافقني حول البيوت، كان السؤال كالتالي: ترى؛ كم عدد البيوت في هذه المدينة التي يحدث فيها نفس الشيء في نفس الوقت؟ ثم تحول السؤال إلى: ما الذي حدث في بيوت رام الله ليأتي على شكل نص روائي تجاوز المائتي صفحة؟
ولم تكن رواية عباد يحيى الأخيرة تمتهن تقديم الأجوبة، بل وجدتها تطرح الأسئلة ولكنها أسئلة من نوع مختلف. إن ما قامت عليه الرواية لم تكن الحرب في بعدها السياسي، بل تناولت الإنسان في بعده الوجودي وكيف يتعاطى مع الواقع حوله من خلال لغة تستحق أن تسمى «لغة روائية» لا يقيم فيها المعنى بقدر ما يحاورها ويتجادل معها. إنّ لغة «يحدث في البيوت» لم تقل ما الذي حدث في البيوت، بل طرحت تلك الأحداث كنقاط مفصلية تتفرع منها باقي الأحداث.
• حدث جوّاني صنع عوالم برانية
تشكل البيوت في هذه الرواية المكان الرئيسي الذي تتفرع منه بقيه الأحداث التي ستحدث في أماكن متفرقة كالشارع، الجمعية، المخيم، المطبعة، مكتب المحامي: «أعتقد أن منع التجول الإسرائيلي الذي عرفته رام الله في مراحل عديدة، ترك فيها طبعا كسولا، تنام مبكرة وتصحو متأخرة، والمدينة التي تنام مبكرة وتصحو متأخرة، أهم ما يحدث فيها يحدث في البيوت». ومن زاوية بيت صغير تشكل الحدث الذي سيتحكم في شخصية هالة لبقية عمرها. كان البيت هو أول مكان تعرضه الرواية وتعرض ما يحدث فيه، لم يكن الحدث عاديا أو مفهوما بالنسبة لطفلة عمرها ثلاث عشرة سنة لكنها لم تقبله وهربت منه قبل بدايته، ليشكل ذلك الهروب نقطة تحول فاصلة ستتحكم بمصير أبدي لها، فالذي حدث داخل البيت لم يكن مقبولا ولا مرغوبا به. يومها أصبح الخارج ملاذا عن بيت سمي بيتها، فهل كان الخارج آمنا إلى ذلك الحد؟ وقتها كان الخارج يتأهب لدخول مرحلة أخرى لكنها لم تكن تعي ذلك كما يجب.
“هالة»، الطفلة الهاربة من عائلة تختصرها في كلمة «شرف»، الكلمة التي لم تكن تفهمها بعد أن عثرت وسط هروبها عمن يحميها هي بكيانها وإنسانيتها وكرامتها وأيضا شرفها، هالة قررت وهي تهرب ألا تعود، فقد كانت تعي أن العودة تساوي الموت هناك حيث موت عن موت يختلف، فأن تكون في حرب يعني أنك ستعيش مفارقات كثيرة أولها أن لا تؤمن بأن الجميع سيحب الجميع وأن العدو لن يكون هو المحتل فقط بل يخلق المحتل لك أعداء آخرين ربما هم أقرب الناس إليك، وقد تختصرك الحرب في رقم بلا معنى فلا يبحث عنك أحد ولا تعني شيئا لأحد كما قد تصير عبئا يرجى التخلص منه في أقرب وقت، ذلك أن أول ما تفعله الحرب هو أنها تعيد تشكيل المفاهيم وتعمل بشكل دائم على تغيير القناعات فالأم التي كانت أول من يذود صارت أول من يتخلى لا يرضيها عار توسم به عائلتها، ففي الحرب لم تكن هالة تواجه المحتل وإنما ذلك كان شأنا لا يعنيها بل كانت تهرب من مصير لم يرضها، فمن كان المتهم في قصتها؟ لعلها الأنوثة هي التي ورطتها يومها، أو لعله سنها الحرج، فقد أصبحت تحسب من النساء وقتها، لم تعد طفلة لا يظهر عليها أثر عبث المحتل، في المقابل لم يسـأل أحد هالة عن رأيها ولا سمح لها بالتعبير عن موقفها، ولا أحد كلف نفسه أن يشرح لها ولماذا هذا المصير المستعجل لها، كل ما في الأمر أنها كانت تسمع بعض همهمات تدل على أن وجودها سيجلب لعار للعائلة، هكذا هي الحرب؛ تنفي عنا حريتنا، تجردنا من أبسط حقوقنا، وتحيلنا إلى متلقٍّ صامت ينفذ دون أن يعترض، هذا ما تريده منا الحرب، هذا ما كانت هالة ترفضه، والرفض عند هالة لم يكن حالة، وإنما جاء كرد فعل أولي قررته وهي مستلقية على ظهرها ويقابلها منظر أدركت بفطرة طفولية أن تبعاته لن تسرها.
لم يكن لها مكان تلجأ إليه، كان الناس يرحلون وكانت ترحل معهم، غير مدركة لما قد يعترض طريقها. كان خوفها من عائلتها يحميها من مخاوف أخرى، تسأل صبية مثلها: إلى أين نحن ذاهبون؟ فتختصر الصبية كل شيء في كلمة «جهنم»، فكل الكلمات التي في الدنيا مجتمعة لا تكفي لوصف الحرب وتنوب عنها كلمة من الآخرة وهي كلمة «جهنم» فقط، هي الكلمة التي يحق لها أن تكون مرادفا لكلمة «الحرب»، لكن مهلا: هل ذهبت هالة حقا إلى جهنم؟ أم أن جهنم كانت ما هربت منه ورفضته؟ تقول الرواية أن هالة لم تكن تريد سوى أن لا تلتقي بأهلها، فحين كان الناس يبحثون لهم عن أشباه أقارب كي تكبر بهم عائلاتهم كانت هالة تتنصل من قرب والديها وإخوتها، فهل كان ذلك كله خوفا؟ أم أن القلب ينكر من يقدمه قربانا يصون من خلاله ما يظنه شرفا.
فالبيت الذي ضاق بصاحبته لحظة دخولها دفعها لتأسيس حياتها خارجه، وبعدما وصلها خبر يقول بعدم وجود إمكانية توصل عائلتها لها تبنت هالة الحياة وتشبثت بها لتعاود خلق مصير مختلف يليق بها، كانت تلد نفسها من جديد من رحم الوعي بأحقيتها في الوجود، وهذا لم يظهر لها إلا بعدما رأت ما فعله المحامي شكري أبو جابر من أجلها، وراحت تعيش بموقف حيادي مع الحرب، وتأقلمت مع ظاهرها، وأنكرت تلك المأساة كي تتجاوز مأساتها.
فهالة كانت محتلة من طرف عائلتها وذلك ما كانت تقاومه في كل أفعال الحياة التي تقوم بها، والرواية هنا لا تعنى بالحرب ولا تستغلها، بل ترصد تداعياتها الوجودية، فالرحيل لم يكن ماديا فحسب، بل أيضا طال روحها وحملها على مواكبة الحياة لتعود فكرة البيت من جديد وتؤسس لحدث مفصلي وسط حرب جديدة، ففي سنة 1967 فتح البيت بابه لشاب هارب لم يكن يعلم «أن في رام الله امرأة بعمرها يمكن أن تعيش وحيدة في بيت»، ولم أكن أتخيل في أبعد خيال أنه «يمكن أن تسمح لشاب لا تعرفه ليس زوجها ولا أخاها ولا ابنها بالبقاء في بيتها والنوم مهما كان المبرر حتى حرب إسرائيل على العرب كلهم». وحدها هالة سمحت بذلك لأنها كانت تعرف ما معنى أن يهرب الإنسان، فهي الهاربة الصغيرة تفهم وتعي حال الهارب.
كان الشاب جميل هاربا سنة 1967، ألقته الخطى في بيت هالة تماما كما هربت هي سنة 1948 لتنتهي في بيت المحامي، فما يحدث في البيوت قد يحتوي هاربا، وقد يدفع صغيرة إلى الهرب، لكن هروب الطفلة وهرب الشاب مختلفان، وسنعرف لاحقا أن هذا الشاب (جمال) كان هاربا من إسرائيل، فهروب النكبة لا يشبه هرب النكسة، وهروب الطفلة لا يشبه هرب الشاب، فحينما تعيد الرواية ترتيب أحداثها نعرف أن الشاب لم يهرب إلا من الموت الذي كاد يصله فجأة، فهو رغم حداثة سنه قرر البقاء في رام الله: «أما أنا فاللاجئ الباقي في رام الله. بداية شباب مثيرة. لم أعرف شخصا مثلي. فتى لم يبلغ العشرين ظل وحيدا في رام الله عشية النكسة»، وهنا يتحول الشاب من فعل الهرب إلى فعل البقاء بينما تستمر هالة في هروبها، إنه يختار البقاء مضحيا بسلامته وبقرب عائلته حين تتقلص العائلة وينوب عنها الوطن، لكن هل من يختار الوطن يكتفي بالعيش فيه فقط دون الدفاع عنه؟ وهل يعني هذا أن جميل اختار الوطن لأجله هو لا لأجل الوطن كمفهوم هوياتي بل فقط كمكان يألفه وكذاكرة يحتمي بها؟ ربما لم يكن الشاب حينها واعيا أكثر بحقيقة الوطن داخله» فطرته وطنية ولكن دون وعي» كما قال عنه خالد، فجميل كان غناه جوانيا وكانت القراءة هي من تبنيه وتجعل منه مكتفيا وتقنعه أن «كل شيء في الدنيا مرتب ومحسوم»، وبالتالي لا رغبة في التغيير: «في داخلي عالم أنا سيده، وفي خارجي عالم أنا ضئيل فيه، فقر براني وغنى جواني، ولا يمكن للممتلكات الجوانية أن تباع في عالم براني». فلا أحد سيعي قيمة تلك الممتلكات، فالعالم البراني ممتلكاته قيمتها ملموسة وصوتها مرتفع، والعالم الجواني ممتلكاته لها همس خافت وهي عصية على الاحتواء داخل لعبة التسليع، و”الغنى الداخلي قلل حاجتي للفعل الكثير في حياتي».
لم يعد جميل يلح ليثبت أنه موجود لأن وجوده تشكل من داخله وأراد أن يثبته ممارسةً عبر تلك اللوحات التي يكتبها وتنتهي بتوقيع يحمل اسم شخص غيره، لكنه كان مصرا على وضع لمسته الخاصة بها، ربما يفهم ذلك خاصة الناس فقط. كانت بصمته تتوزع في رام الله كسرّ داخلي لا يلاحظه إلا من يتأمل، لم يكن ممن يفرض وجوده بكثرة المنجزات والتوقيعات، لنجد أن الغنى الجواني لم يلغ الفعل هنا، بل عمل على تحريره من مظاهر الاستعراض ورفع جميل إلى مصاف أخرى لا تعني الكثيرين.
لكن موقفه مع السيدة هالة التي أوته في بيتها غداة النكسة لخمس أيام وأواها هو في قلبه بعد مغادرة بيتها لتسعة أعوام يؤكد أن الغنى الجواني قد تفاقم إلى حد اللامسؤولية، وربما أصبح يحتاج إلى مراجعة وتصحيح، فالمحامي كان يمثل كل شيء بالنسبة لهالة ليأتي جميل وهو يحمل قارورة سم في كتاب صنعه من أوراق مجلة «فتاة رام الله» الخاصة بجمعية هالة ويقول لها اعترافا مجزوءا محتما إياها على مصير لم تختره لتختار هالة الهروب مرة أخرى لكنه كان هربا بمن هربت إليه سابقا، فهالة لم تتخلّ عن شكري بل فعلت كل ما يمكنها كي يظل بخير، كانت كل أسئلتها عن جميل تظل معلقة، فاختارت أن تجيب عنها بهروب آخر علها تنجو مجددا لتخفي شكري اختفاء أكثر من اختفاء الموت نفسه، ويبقى جميل رهين الأسئلة كمجرم يحوم في موضع جريمة لم يرتكبها، فهل كانت جريمة دفع إليها أم دفعها لغيره كي يتخلص من وزرها؟ وهل كان الغنى الجواني مسؤولا أيضا عن جعل رجل يلقي بحبيبته في النار ولا يسأل عنها؟
تنتهي الرواية ويظل باب السؤال مفتوحا عن ذلك الشتات الوجودي الذي صاحب شخصياتها في عالم متصدع وبيوت منكسرة، فقد كان التيه مصيرا مشتركا وكان الاختلاف يتجاوز الاتفاق ولا يقين إلا يقين الألم، فهل يمكن لذوات ممزقة أن تعيد إنتاج المعنى، أم أن الحرب ترفض منطقا مماثلا؟


