التاريخ الشفوي والتهميش المزدوج – النساء الفلاحات الفلسطينيات وسرديات النكبة

لماذا تكاد تكون العديد من الروايات الشفوية عن النكبة متطابقة؟ هل هناك أصوات مهمشة وتجارب مكبوتة؟ كيف يمكننا فهم امرأة فلاحية فلسطينية تشرح أن حياتها أصبحت أفضل بعد النكبة؟ هذه بعض الأسئلة التي بحثتها عند استكشاف التاريخ الشفوي في فلسطين وأولي اهتمامًا وثيقًا لروايات النساء الفلسطينيات من قرية مغلس. يحدد تيد سويدنبرغ ثلاث صفات مميزة لصنع التاريخ الفلسطيني والتاريخ الشفوي على وجه الخصوص. هذه هي تجزئة التاريخ، وفقدانه، و”قمعه”. في هذه المقالة، أدرس “القمع” وآثاره على مسار التاريخ الشفوي الفلسطيني. أبدأ بالنكبة كحدث يؤسس الوعي الجماعي الفلسطيني، وأستكشفها من خلال أحد أكثر القطاعات تهميشًا في المجتمع الفلسطيني: النساء الفلاحات.

يتبع الباحثون الفلسطينيون مناهج متباينة فيما يتعلق بالقيمة المعطاة للشهادات المكتوبة والشفوية: يلتزم البعض بالمفاهيم الكلاسيكية للبحث التاريخي، وأدلته الوثائقية، وطرق الحكم على دقة هذه الأدلة؛ قد يتعامل آخرون مع التاريخ الشفوي بانحياز نحو سردية معينة، ويبحثون عن شهادات داعمة، بينما يستخدم بعض الباحثين منهجيات متعددة. تُوزن جميع هذه الاعتبارات في بيئة بحثية تهيمن عليها ما أسميه أيديولوجية الالتزام الوطني السائدة. تتجلى هذه الأيديولوجية العامة – التي تُعنى بالحفاظ على الهوية الفلسطينية والقيم الاجتماعية التقليدية، وتُشدد على وحدة الشعب الفلسطيني ونضاله لإنهاء الاستعمار – في الأعمال الأدبية والفنية، وفي الخطاب العام المتعلق بالوطن، وحتى في أساليب التعبير عن الفرح والحزن ضمن أفعال يومية بسيطة أخرى. في هذه الدراسة، أقرأ أيديولوجية الالتزام الوطني السائدة من خلال كتابات ودراسات من يلتزمون بها ومن يخالفونها. أختار مصطلح “أيديولوجية الالتزام الوطني” كمفهوم أشمل من “أيديولوجية التحرر الوطني”، التي استخدمها باحثون آخرون لوصف الأيديولوجية السائدة في المجال السياسي الفلسطيني بعد عام ١٩٦٧ واندلاع الانتفاضة الفلسطينية. في حين أن ظهور أيديولوجية بناء الدولة قد خفف من حدة وسيطرة أيديولوجية الالتزام الوطني، إلا أنه لم يُقضِ عليها، ولا يزال وجودها ملموسًا بقوة حتى اليوم. وكثيرًا ما يكون هناك تفاوض بين الأيديولوجيتين. وفي أوقات المواجهات الشديدة مع قوات الاحتلال، تستعيد أيديولوجية الالتزام الوطني هيمنتها، مُشكلةً خيارات الباحثين – سواءً كانوا على دراية بذلك أم لا. لذا، فإن دراسة أيديولوجية الالتزام الوطني ونقدها مسألة شائكة، وقد ترددتُ مرات عديدة قبل طرح بعض أفكار هذه الدراسة.